محمد محمد أبو موسى

700

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

تأدبا منه واعتصاء عن مبادئه بقبيح كفره ، وتسامحا عن ذكر ما يغيظه . وأما ثالثا : فلأنه ثبطه عما كان عليه ونهاه عنه . فقال : ان الشيطان الذي عصا ربك وكان عدوا لك ولأبيك آدم هو الذي أوقعك في هذه الحبائل ، وورطك في هذه الورط ، وألقاك في بحر الضلالة ، وانما خص إبراهيم ذكر معصية الشيطان للّه تعالى في مخالفته لأمره واستكباره ولم يذكر عداوته لآدم وحواء ، وما ذاك الا من أجل امعانه في نصيحته ، فذكر له ما هو الأصل تحذيرا له عن ذلك وعن موافقته . وأما رابعا : فلأنه خوّفه من سوء العاقبة بالعذاب السرمدي ، ثم إنه لم يصرح له بمماسة العذاب له اكبارا له واعظاما لحرمة الأبوة ، ولكنه أتى بما يشعر بالشك في ذلك أدبا له ، فقال : « إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ » ثم إنه نكر العذاب تحاشيا عن أن يكون هناك عذاب معهود ويخاف منه ، كأنه قال : وما يؤمنك ان بقيت على الكفر أن تستحق عذابا عظيما عليه . وأما خامسا : فلأنه صدر كل نصيحة من هذه النصائح بذكر الأبوة توسلا اليه بحنو الأبوة ، واستعطافا له برفق الرحمية ليكون ذلك أسرع إلى الانقياد ، وأدعى إلى مفارقة ما هو عليه من الجحود والعناد ، فلما سمع كلامه هذا وتفطن لما دعاه اليه ، أقبل عليه بفظاظة الكفر ، وجلافة الجهل ، وغلظ العناد ، فناداه باسمه ، ولم يقل « يا بنى » كما قال إبراهيم « يا أبت » ، اعراضا عن مقالته ، واصرارا على ما هو فيه ، ثم إنه قدم خبر المبتدأ بقوله : « أَ راغِبٌ أَنْتَ » اهتماما بالانكار ، وتماديا في المبالغة في التعجب أن يكون من إبراهيم مثل هذا » « 12 » . وكأن العلوي قد وضع عينه على كتاب المثل السائر في هذا النص الكبير وأخذ يصوغ ما يرى من المعاني في عبارات من عنده مع إضافات ليس فيها غناء ، وقد قال العلوي في آخر هذا التحليل : « وفي القرآن سعة من هذا ، ومملوء من حسن الحجاج والملاطفة خاصة لمنكري الميعاد

--> ( 12 ) الطراز ج 2 ص 284 ، 285 ، 286 ، 287 .